مي سمير تكتب: الحرب الأمريكية غير المعلنة بسبب لقاح كورونا

مقالات الرأي

Advertisements

قبل إعلان الرئيس الأمريكى جو بايدن فى ٩ سبتمبر عن سلسلة من التفويضات العدوانية لفيروس كورونا - والتى تغطى ما يقدر بنحو ١٠٠ مليون أمريكى، بما فى ذلك العاملون فى مجال الصحة الفيدرالية والشركات التى تضم أكثر من ١٠٠ موظف - كانت المشاعر المعادية للتطعيم تنمو فى الولايات المتحدة الأمريكية، وتأتى الإجراءات التى تتضمن تفويضات بتطعيم ملايين الموظفين الفيدراليين، فى وقت يتعرض فيه الرئيس الأمريكى لضغوط بسبب ارتفاع الإصابات بفيروس كورونا.

تسبب الفيروس فى مقتل ٦٥٠ ألف أمريكى، وكان بايدن قد وعد بـ«صيف من الحرية» بلا فيروس، لكن انتشار المتغير الجديد «دلتا» حال دون ذلك، وفى هذا السياق نشرت مجلة نيوزويك تحقيقا عن هذه الحرب الأهلية فى الولايات المتحدة بين مؤيدى اللقاح ومعارضيه تحت عنوان «لا تستطيع إجبارى». 

تحرك معارض

هذا الصيف وجهت وزارة الصحة بولاية تينيسى، بدفعٍ من المشرعين الجمهوريين، موظفيها بالتوقف عن إجراء «التوعية الاستباقية المتعلقة باللقاحات الروتينية»، بما فى ذلك تلك الخاصة بأمراض الطفولة، وفيروس الورم الحليمى البشرى والإنفلونزا. 

قال الكاتب والمذيع اليمينى لارى إلدر لصحيفة لوس أنجلوس تايمز فى أغسطس، «لا أعتقد أنه يجب على الولاية إخبار أحد الوالدين بما إذا كان يجب تطعيم الطفل»، 

 فى ولاية مينيسوتا هذا الشهر، بدأت مجموعة أكشن ٤ ليبرتى المحافظة، التى تتباهى بقائمة بريد إلكترونى تضم أكثر من ١٠٠ ألف متلق، فى توجيه ضربة لمرشح جمهورى رائد لمنصب الحاكم لرفضه التوقيع على تعهد المجموعة الذى يحمل عنوان «إيقاف تفويضات اللقاح»، قال رئيس المجموعة، جيك ديوسينبيرج، لمجلة نيوزويك: «هذه اللقاحات لها تاريخ طويل فى الاستخدام، لذلك هناك بالتأكيد بيانات تشير إلى أنها آمنة نسبيا، ولكن يجب دائما أن يكون أخذ اللقاح هو خيار الشخص، لا يمكن للحكومة أن تفرض ذلك علينا». 

 إجمالا، يُعرف حوالى ٢٢ بالمائة من الأمريكيين الآن بأنهم «مناهضون للتطعيم»، وهم الأشخاص الذين يدعمون رفض اللقاح و«يتبنون التسمية كشكل من أشكال الهوية الاجتماعية»، وفقا لتقرير صادر عن باحثين فى جامعة أوكلاهوما تم نشره فى مجلة «السياسة والجماعات والهويات»، وتأكيدا على مخاوف خبراء الصحة العامة، وجدت الدراسة أيضا أن تصاعد معارضة لقاح كورونا ينبئ بالمعارضة المتزايدة لمتطلبات اللقاح بالنسبة للأطفال. 

 فى تلك الأثناء، تتزايد أيضا الدلائل حول الطبيعة الحزبية للمعارضة المتزايدة للقاحات وتفويضات اللقاحات، تساءل استطلاع أجرته مؤسسة Kaiser Family Foundation عما إذا كان الحصول على لقاح فيروس كورونا مسألة «اختيار شخصى» أو «جزء من مسؤولية الجميع لحماية صحة الآخرين»، رأى أكثر من ٧٠ فى المائة من الجمهوريين أنه اختيار شخصى مقابل ٢٧ فى المائة فقط من الديمقراطيين. 

 ووفقا لتحليل على موقع تويتر أجراه رينيه ديريستا، مدير الأبحاث فى مرصد ستانفورد، فإن مناهضى التطعيم الذين كانت معارضتهم فى حقبة ما قبل فيروس كورونا تركز على المخاوف المتعلقة باحتمالية الإصابة بأمراض مثل التوحد، فإنهم يتطورون الآن ويتحدثون عن الحرية والحق فى «اختيار اللقاح»، يقول دوجلاس أوبل، طبيب الأطفال فى مستشفى سياتل للأطفال، ومؤلف العديد من الأوراق البحثية حول اللقاحات إن «عملية تسييس واستقطاب قضية اللقاح كانت مصدر قلق لنا جميعا بشأن ما قد يعنيه ذلك بالنسبة للثقة باللقاح واستدامة برامج التحصين بشكل عام». 

أزمة اللقاح

حتى وقت قريب، كانت شهادات التطعيمات - والتى تظهر غالبا عندما يحاول أولياء الأمور تسجيل أطفالهم فى دور الحضانة والمدارس - عمل روتينى غير مثير للجدل نسبيا لمنع انتشار الأمراض المعدية، كل ولاية لديها مثل هذه التفويضات، وتسمح جميعها باستثناء ستة بإعفاءات لأسباب دينية أو «معتقدات شخصية».

فى كاليفورنيا وكونيتيكت وماين وميسيسيبى ونيويورك وويست فرجينيا، لا يُقبل سوى بالإعفاءات لأسباب طبية، وشملت قائمة معارضى مثل هذه التفويضات فى العقود التى سبقت عصر فيروس كورونا أشخاصًا أمثال روبرت إف كينيدى جونيور والممثلة جينى مكارثى، هذا إلى جانب كل المتشككين الليبراليين فى علم اللقاحات الذين روجوا لنظريات حول الآثار الجانبية للقاحات على نطاق واسع والتى تم فضحها بشدة ورفضها من قبل الأطباء والعلماء. 

عندما اكتشفت الولايات المتحدة تفشى أمراض مثل الحصبة - وهو مرض أعلنت منظمة الصحة العالمية القضاء عليه فى عام ٢٠٠٠ فى الولايات المتحدة - كانت الأرقام الإجمالية بالعشرات أو المئات، وهى نسبة صغيرة نسبيا، لقد شهدت كاليفورنيا تفشى المرض فى عام ٢٠١٤، وعانت مدينة نيويورك من نفس المشكلة عام ٢٠١٩، وقد ارتبطت الزيادات المفاجئة بالمجتمعات اليهودية الأرثوذكسية المعزولة، كرد فعل، صوت المشرعون بسرعة لإلغاء قدرة أولياء الأمور على رفض التطعيمات لأسباب دينية أو شخصية. 

ومع ذلك، فإن ما يخيف علماء الأوبئة الآن هو أن العديد من المحافظين الذين يشجبون تفويضات اللقاح يتجاهلون الأسئلة الطبية حول ما إذا كانت اللقاحات آمنة أم لا، بدلا من ذلك، يقول ديفيد روزنر، مؤرخ فى جامعة كولومبيا والمتخصص فى تقاطع السياسة والصحة العامة، إنهم يركزون على وجهة نظر سياسية مفادها أن فرض اللقاح عليهم يعد أمرا خاطئا، ويحذر قائلا: «نحن فى بداية تغيير أكثر وضوحا قد يؤدى إلى مقاومة لقاحات أخرى وقد يؤدى أيضا إلى تفكك أى شعور بالالتزام الاجتماعى والتماسك الاجتماعى والهدف الاجتماعى الواحد»، وأضاف أن هذا المشهد يعد «جزءا من التساؤل حول ماهية البلد وما يمثله، عندما ترى هذا النوع من الانهيار وعدم الرغبة فى العمل معا، حتى فى ظل الظروف الأكثر وضوحا حيث يموت ٦٥٠ ألف شخص، يبدو وكأنه بداية لنقطة فاصلة رئيسية». 

الانقسام

«العديد من المعارضين مثل مرشح مجلس الشيوخ فى أوهايو، جاش ماندل، الذين شبهوا تفويضات اللقاح بالجيستابو - تم تطعيمهم ضد فيروس كورونا ولا ينتقدون سلامة أو فعالية اللقاح، فهم يصرون فقط على أنه ليس من دور الحكومة فرض اللقاحات على الأشخاص، يتساءل الكثير منهم عن السرعة القياسية لتطوير اللقاحات، ويفضلون الاعتماد على المناعة الطبيعية حيث قد تطور لديهم الأجسام المضادة الطبيعية بعد التعرض لفيروس كورونا، كما صدق هؤلاء مجموعة واسعة من المعلومات الخاطئة، من الأسطورة القائلة بأن اللقاحات تحتوى على شرائح دقيقة قادرة على تتبع الحركة إلى المخاوف من الضرر المحتمل للأنظمة الإنجابية للنساء فى سن الإنجاب. 

«أنا لست ضد أى شخص يحصل على لقاح فيروس كورونا، إنه اختيارهم»، كما يقول ديوسينبيرج، الذى رفض الإفصاح عما إذا كان قد تم تطعيمه ضد فيروس كورونا، أصبح ديوسينبيرج أحد الشخصيات البارزة فى معارضة اللقاح، من وجهة نظره، الأشخاص المعرضون لتدهور حالتهم الصحية فى حال إصابتهم بالفيروس من الممكن أن يأخذوا اللقاح، ولكن ما الذى يدفع الشباب الأصحاء لأخذ هذه المخاطرة.

كما يشير أن بعض الأطباء يسألون لماذا يحصل الشاب السليم على اللقاح عندما تكون آثاره على المدى الطويل غير معلومة، وهو يؤكد أن فى كلتا الحالتين، «لا يمكن أن يكون أخذ اللقاح هو خيار الحكومة». 

حسب تقرير نيوزويك، فإن هذه الفكرة تهدد بالقضاء على أكثر من قرن من التعايش بين الحزبين والدعم القضائى لقدرة الحكومة على فرض متطلبات اللقاح، مؤخرا فى منتصف أغسطس، فى الواقع، رفضت قاضية المحكمة العليا آمى كونى باريت، وهى محافظة، منع شرط من جامعة إنديانا يقضى بحصول جميع الطلاب وأعضاء هيئة التدريس على التطعيم ضد فيروس كورونا. 

لم يعد الأمر يتعلق بفيروس كورونا فقط، استنادا إلى تقارير موضعية من مجموعات مختلفة فى الولايات المتحدة، لاحظت المؤسسة الوطنية للأمراض المعدية «انخفاضًا مقلقًا فى معدلات التطعيم فى العام الماضى، حيث تقول إن هذا الأمر يعرض الأفراد من جميع الأعمار لخطر الإصابة بأمراض يمكن تجنبها من خلال اللقاحات».

فى مقاطعة ميامى فى فلوريدا، على سبيل المثال، كان هناك انخفاض بنسبة ٦٠ فى المائة فى عدد لقاحات الأطفال التى تم إعطاؤها فى أبريل ٢٠٢٠ مقابل أبريل ٢٠١٩ ، فى ميشيجان فى مايو ٢٠٢٠، تأخر نصف الأطفال الرضع بعمر خمسة أشهر أو أقل عن لقاحاتهم، فى مدينة نيويورك، انخفض تسليم جرعة اللقاح بنسبة ٩١٪ بين مارس ومايو ٢٠٢٠. لكن الخبراء يعزون هذا الانخفاض إلى مخاوف أولياء الأمور من أخذ أطفالهم إلى الأطباء فى ذروة الإغلاق الوبائى خوفا من الإصابة بفيروس كورونا. 

 يرى العديد من أطباء الأطفال تغيرًا محيرًا ومقلقًا فيما يتعلق بالتطعيمات، يقول جويل هيلدلبو، الطبيب الذى يشرف على الأطباء المقيمين فى عيادة الأسرة فى كلية الطب بجامعة ميشيجان، إنه يرى الآن أولياء الأمور الذين يرفضون اللقاحات لأطفالهم مرتين على الأقل فى الأسبوع، فى حين أن مثل هذا الرفض قبل فيروس كورونا كان يحدث عدة مرات على مدار السنة بأكملها. 

يطرح كبير مستشارى مؤسسة الدفاع عن صحة الأطفال، وهى مجموعة مناصرة غير هادفة للربح أسسها آر إف كى جونيور، نجل سيناتور كاليفورنيا الراحل روبرت كينيدى، والتى نظمت مؤخرا احتجاجات فى جميع أنحاء البلاد لمعارضة تفويضات ارتداء القناع واللقاحات، يطرح الكثير من الأسئلة من ضمنها «هل هى آمنة؟ هل هى فعالة؟ هل التجارب السريرية كافية؟ هل هناك حماية ضد المسؤولية؟ ماذا يحدث للأشخاص الذين أصيبوا أو ماتوا؟. لكن ما يحدث فى الولايات المتحدة تجاوز لقاح كورونا وامتد اليوم ليصل إلى مواجهة عريضة لشريحة لا ترفض فقط أخذ اللقاح ولكنها ترفض سلطة الدولة عليها.