منال لاشين تكتب : المصريون يراهنون على المستقبل بـ64 مليار جنيه

مقالات الرأي



الأجانب اعتبروا شهادات القناة استفتاء على شعبية السيسى


■ بلغت مساهمات الأفراد 75٪ مقابل 25٪ للمؤسسات.. والبنوك تحملت نحو 400 مليون جنيه لإصدار الشهادات

■ سباق الموظفين فى البنوك لتحقيق رقم قياسى.. والأهلى يحصد 60% من كعكة الشهادات

■ إنجاز الشهادات فضح تخاذل رجال الأعمال وقدم نموذجاً جديداً للتنمية من خلال المؤسسات الوطنية

■ وزير المالية توقع ألا تتجاوز الحصيلة 20 مليارًا.. والمركزى توقع التغطية خلال شهر


فى ثمانية أيام عمل أنهى المصريون تغطية 64 مليار جنيه «9 مليارات دولار» وبالأرقام أيضا دفع المصريون لمشروع قناة السويس 12.5 مليون جنيه كل دقيقة و777 مليونًا كل ساعة، ويوم الاثنين الماضى كانت المشكلة أو السؤال فى البنك المركزى الا يتجاوز المبلغ 60 مليارًا بكثير، لأن الطوابير كانت مستمرة فى البنوك حتى بعد الاقتراب من حاجز الـ60 مليارًا، وبالأرقام أيضا بلغت حصة الأفراد 75% مقابل 25% للمؤسسات، أى أن الأفراد دفعوا 48 مليار جنيه فى 8 أيام، وحقق البنك الأهلى وحده نسبة 60% من حصيلة الشهادات.

هل نحن أمام معجزة من السماء أم أمام استعادة نموذج آخر للتنمية وبناء بلدنا بعيدًا عن تحكمات كبار رجال الأعمال وشروطهم وبخلهم على مصر، نحن أمام نموذج يعيد ما افتقدناه من دور لمؤسسات الدولة وللقطاع العام الذى تعرض للتشويه والانتقام والتخريب، وحتى المؤسسات التى حافظت على تفوقها طاردتها الشائعات والضرب تحت الحزام، إنجاز شهادات قناة السويس يفضح كبار رجال الأعمال الذين تخاذلوا عن دعم مصر، سواء فى صندوق «تحيا مصر» أو من خلال مشروعات جديدة، لكن الاهم أن هذا الإنجاز يفتح الطريق لرهان مختلف لتحقيق التنمية والخروج من الأزمة.


1- رهانات غامضة


باستثناء الرئيس السيسى ومحافظ البنك المركزى هشام رامز وأهل البنوك العامة المشاركة كانت الشهادات بـ60 مليار رهانًا غامضًا لعدد من الخبراء وحتى الوزراء، بعض اعضاء الحكومة وبينهم وزير المالية كانوا يراهنون أن يغطى المصريون 15 أو 20 مليار جنيه على أقصى تقدير، وأن الحكومة ستضطر إلى عقد قرض مشترك مع البنوك لتغطية بقية المبلغ، وحتى داخل القطاع المصرفى كانت هناك توقعات بأن تتم تغطية الشهادات لكن فى حدود شهر، وسبب هذا التوقع أن المصريين لم يعتادوا نمط الاستثمار لمدة خمس سنوات، المزاج المصرى يميل بشدة إلى مدة ثلاث سنوات، سواء فى الودائع أو شهادات الاستثمار، ولذلك فإن شهادات استثمار البنك الأهلى لمدة عشر سنوات لم تتجاوز منذ 50 عاما 114 مليار جنيه، ولذلك كان الرهان على شهادات الخمس سنوات رهانًا مصرفيًا كبيرًا، وقد كسبنا هذا الرهان، ولكن الرهان الأكبر كان رهانًا سياسيًا، فقد قوبلت هذه الشهادات بتحديات وحملات تشويه وتشكيك، وكل هذه الحملات كانت تستهدف فى الحقيقة مشروع قناة السويس نفسه، بوصف المشروع جزءًا من مشروعات ثورة 30 يونيو، فقد تحملت الشهادات هجوم الكارهين لـ30 يونيو وخصوم السيسى وحتى الخبراء الغاضبين من استبعادهم من المشهد، ولكن هجوم الإخوان وطرق حربهم القذرة كانت هى الملمح البارز فى هذه الحملة.


2 - فنكوش الإخوان


كان الضرب تحت الحزام والضرب المباشر فى الشهادات كفيلاً بأن يدمر الاكتتاب، أول يوم كان الخميس الأسود الذى انهارت فيه شبكات الكهرباء والإخوان أطلقوا على المشروع «مشروع الفنكوش» وتولت مواقعهم الإخبارية إطلاق الشائعات، وكانت أخطر شائعة لهذه المواقع هى أن الحكومة ستلغى الفائدة على الشهادات البالغة 12% وهى اكبر فائدة فى مصر، بعيدًا عن المواقع نشر الإخوان شائعات وأكاذيب أخرى بين المواطنين من بين هذه الشائعات، شائعة أن مباحث الأموال العامة والضرائب ستطارد كل من يشترى بمبلغ كبير شهادات قناة السويس، وعلى الأرض حاول الإخوان إفشال عملية الشراء، كان الإخوان يرسلون بعض أعضائهم لشراء شهادة واختلاق خناقات مع العملاء ومع موظفى الفروع، وأثناء المشاجرة يقوم إخوانى آخر بتصوير الخناقة بالتليفون المحمول، فالمطلوب إخافة الناس من الذهاب لشراء الشهادة، لكن فروع البنوك الأربعة فوتت الفرصة على الإخوان، وكانت الخطة واضحة «لو دخل عميل واتخانق معاك لا ترد وامسك أعصابك»، وحاولت آلة الإخوان أن تحرم الشهادات بحجة أنها ربا، المثير أن المواطن العادى كان أكثر وعيا من الجميع، لم يكتف هذا المواطن بفتاوى شيخ الأزهر ومفتى الجمهورية بجواز شراء الشهادات، ولكن داخل الطوابير الممتدة كان المواطنون يسخرون من كلام الإخوان ويقولون «مش هما حللوا قرض صندوق النقد اشمعنا بقى لما تكون حاجة تفيد البلد تبقى ربا؟!.


3 - درس للجميع


لقد لقن المصريون فى شهادات قناة السويس درسًا للجميع، درس بأن الرهان على طبقة رجال الأعمال والاستثمار الأجنبى لوحده رهان مكلف خاسر، فالفارق بين مشروع قناة السويس، وصندوق تحيا مصر ليس فقط وجود عائد مالى، والقول بأن المصريين تكالبوا على الشهادات لأنها تحقق أكبر عائد هو قصور فى فهم طبيعة المصريين وصلابتهم، لأن المواطنين راهنوا على المستقبل وعلى البلد، وقد فهم هذا المغزى المحللون الأجانب الذين تابعوا تدفق المصريين على شراء الشهادات، وبعض التحليلات اعتبرت أن هذا التدفق هو تصويت ثان لثورة 30 يونيو وللرئيس السيسى، فأنت لا تضع أموالك لمدة خمس سنين إلا إذا كنت تشعر بالأمان تجاه المستقبل والبلد وترغب أن تكون جزءًا من هذا المستقبل، هذه المليارات كان يمكن أن تتحول إلى دولارات أو ذهب استعدادا للحظة وقوع البلد كما حدث على مدار سنوات، ولكن المصريين واثقون أن البلد سينتصر على الإرهاب والظروف الاقتصادية والأزمات الكبرى التى تواجهنا، وهذه الثقة ترجمت فى 64 مليار جنيه فى 8 أيام.

لكن على الجانب الآخر لا تزال تبرعات كبار رجال الأعمال لصندوق «تحيا مصر» مخزية، فهذه الفئة اعتادت أن تأخذ قبل أن تعطى، وأن اعطت بملاليم وليس ملايين الجنيهات، هذه الفئة لا تراهن على مستقبل مصر لانها ببساطة وعلى بلاطة ضمنت مستقبلها فى دول أخرى، لديهم جنسيات أخرى وقصور فى بلدان أخرى وحسابات بنكية ومشروعات فى قارات العالم الست، مصر كانت بالنسبة لهم ولا تزال الكنز الذى يقاتلون من أجل الحصول على أكبر نسبة منه، هذا النوع من رجال الأعمال لن ولم يتبرع أو يضحى لا بـ5% ولا 1% من ثروته، ولم يتبرع بمكاسبه الضخمة وأرباحه الهائلة التى تعود أن يحصدها.

ولذلك فإن إنجاز الشهادات يجب أن يغير فى طريقة التنمية بمصر، فلن يبنى مصر سوى المواطنين من أصحاب الشهادات، مواطن يريد أن يساعد بلده لأن مصيره مرتبط بمصيرها، هذا المواطن حين يثق فى قيادة البلد ويجد أمامه مشروعات محددة وواضحة لن يتأخر عن المشاركة.

تجربة الشهادات قابلة للتكرار لمواجهة مشاكل أخرى تبدو عصية على الحل، فالحكومة تتفاوض الآن مع القطاع الخاص لإنتاج الكهرباء، والقطاع الخاص يطالب وزارة المالية بضمانات مكتوبة قبل بدء بناء المشروعات أو المحطات، وهذه الضمانات تتعلق بشراء الكهرباء المنتجة لمدة خمس سنوات بسعر محدد مسبقا، ونجاح هذه المفاوضات يكلف الحكومة ضمانات بنحو عشرة مليارات جنيه على الأقل.

ولدى اقتراح للحكومة، فبدلا من بهدلة المفاوضات والضغوط السخيفة من القطاع الخاص لماذا لا نكرر تجربة الشهادات، لماذا لا تصدر شركات الكهرباء شهادات لبناء محطات كهرباء، سواء كانت محطات طاقة شمسية أو رياحًا أو محطات كهرباء تقليدية، فالمواطن العادى سيشترى هذه الشهادات ليضمن ألا تنقطع الكهرباء عن بيته أو عمله، مرة أخرى هذه الصيغة أن يحقق مصلحة الوطن والمواطن معا.


4 - الرهان على مؤسساتنا


تكشف تجربة الشهادات عن جانب آخر من الرهان على التنمية، أو بالأحرى نمط التنمية، فالحكومة تراهن على أن القطاع الخاص وشركاته هو اللاعب الرئيسى فى الاقتصاد، وهذا هو رهان خاطئ وخاسر، ففى تجربة الشهادات كان الاعتماد على البنوك الوطنية هو مفتاح نجاح التجربة، لا توجد مؤسسة خاصة مصرية مهما كانت قدراتها كان يمكن أن تؤدى هذه المهمة الشاقة، بلغة المال فإن البنوك العامة تحملت نحو 500 مليون جنيه ما بين رسوم اصدار وإجراءات الإعداد للشهادات، وهو مبلغ يمثل أرباح مؤسسات كبرى فى القطاع الخاص، ولكن المال ليس كل شىء ولا أهم ما فى التجربة، هناك الكفاءة المصرفية فى اختيار نوع الاستثمار «شهادات وليس أسهمًا» وتنفيذ كل إجراءات الشهادات.

وثمة إنجاز أهم، فأزمة مصر فى التنفيذ والإدارة، وكل الإبداع والإعداد المصرفى سواء من البنك المركزى أو البنوك العامة كان يمكن أن يتحطم على صخرة التنفيذ، ولولا كفاءة وإخلاص موظفى هذه البنوك لما أمكن أن نحقق هذا الإنجاز 64 مليار جنيه فى 9 أيام، بدون مشاكل، العمل من الثامنة صباحا حتى العاشرة وأحيانا الثانية عشرة، الموظفون كانوا يرفضون الإغلاق الا بعد تلبية كل الطلبات، وفى اليوم الأول أدت كارثة انقطاع الكهرباء إلى تأخر فروع معظم البنوك فى العمل، وكان البنك الأهلى هو الوحيد الذى تملك 75% من فروعه مولدات كهرباء، ولذلك سهر موظفو البنوك الأخرى فى هذا اليوم حتى الواحدة صباحا ليحققوا معدلاً مشرفًا فى الشهادات، وفى هذا اليوم رفضوا اقتراح قياداتهم بأن يغلقوا الفروع فى العاشرة أو الحادية عشرة.

هذه البنوك العامة كانت منذ شهر عرضة للهجوم والتشويه بحجة أنها لا تطبق الحد الأقصى للأجور، وكان الهجوم يأتى أحيانا من داخل الحكومة، فنظرية «قاسم السماوى» كانت السائدة لدى بعض الوزراء والمسئولين، لم ير هؤلاء السادة فى البنوك العامة الشريان الرئيسى والحصن للاقتصاد المصرى، لم يدركوا أن هذه البنوك هى التى ساندت الاقتصاد المنهار بعد ثورة 25 يناير، ولذلك فإن تجربة الشهادات يجب أن تدفعنا لإعادة النظر فى دور المؤسسات العامة ككل، وليس البنوك فقط، مؤسساتنا الوطنية هى التى تقوم بالعبء الأكبر فى بناء مصر، البنوك وشركات قطاع الأعمال والمؤسسات العملاقة مصر للطيران والمقاولين العرب وحسن علام وغيرها من شركات المقاولات، يجب أن نساند وندعم هذه الكيانات الكبرى العامة، لأنها الوحيدة القادرة وربما الراغبة فى تحقيق أحلام المصريين، ولذلك يجب أن نعيد النظر فى نظرتنا وعلاقتنا بهذه المؤسسات، فهناك فارق بين الرقابة على المال العام والتضييق على مؤسسات المال العام، ولا يجب أن تتحول الرقابة إلى قيد يهدد استقرار وتطور هذه المؤسسات، وجانب من هذا التطور يتعلق بتوفير القيادات القادرة على دفع هذه المؤسسات وتوفير دخول عادلة ومتناسبة مع حجم الكفاءات والخبرات، وفى نفس الوقت تتناسب هذه الأجور مع أسعار هذه الخبرات فى القطاع الخاص، وعلى الرغم من أهمية قضية الأجور وإعادة النظر فى قرار الحد الأقصى للأجور، فإن العلاقة المعنوية بين الحكومة ومؤسساتنا العامة يجب أن تدخل فى الحسبان، ففى إنجاز الشهادات لاحظت أن مجلس الوزراء لم يصدر بيانًا يوم الاثنين أو الثلاثاء يشكر فيه المصريين والبنوك وموظفيها، ورئيس الحكومة المهندس محلب المشهور بكثرة تصريحاته وزياراته وجولاته لم يظهر فى الصورة، ولم يشد بالمؤسسات الوطنية التى قادت هذا الإنجاز، وكأن الموضوع لا يعنيه، وهذا الأمر تكرر عندما تجاهل محلب الإشارة، و«بلاش» الإشادة، بموقف شركة مصر للطيران التى قامت بنقل المصريين العالقين بليبيا وقت تفجر الأحداث، وبالطبع فإن إشادة محلب بالمقاولين العرب ترجع لعلاقته بالشركة التى كانت «وش الخير» عليه، وليس لدى اعتراض أن يشكر محلب شركة المقاولين العرب لأنها بالفعل تستحق الشكر، لكننى اقترح على محلب وحكومته أن تتواصل وتدعم كل مؤسسات المال العام، تذبح الفاسدين وتشكر وتكافئ المتميزين، وتدعم هذه المؤسسات، لأن هذه المؤسسات هى الجسر الحقيقى لتحقيق أحلامنا فى التنمية وفى بناء مصر الجديدة، بدون هذه المؤسسات سيكون الطريق للتنمية وعرا، وأعتقد أن تجربة شهادات قناة السويس هى أكبر دليل على دور مؤسساتنا العامة فى بناء مصر.