أحمد فايق يكتب: نهاية عصر التوك شو

مقالات الرأي



قليل من السياسة.. كثير من الترفيه والرياضة 

■ منع مصممة أزياء لبنانية من دخول مصر بعدما اكتشفوا بالصدفة أن إعلاميًا مصريًا شهيرًا كلفها بتصميم 10 «بدل» لمحمد مرسى

■ مليار دولار استثمارات مصرية فى الإعلام لشراء بطولات كرة القدم فى مصر وإفريقيا ونجوم السينما والدراما 

■ عمرو أديب فى بيروت يبحث عن فورمات برنامج منوعات

■ السعودية تحاول سحب إم بى سى عقابا لحسن نصرالله.. والإمارات تمنع تنفيذ أى برنامج فى لبنان وتشترط العمل فى ستوديوهات دبى وأبوظبى


السفر إلى بيروت أصبح بالنسبة لطبقة اجتماعية فى مصر أقرب إلى مصيف الساحل الشمالى، المسافة ساعة وربع الساعة بالطائرة، تذكرة الطيران ليست باهظة، أسعار الفنادق هناك أقل بكثير من تأجير شاليه فى الساحل الشمالى، والأهم من ذلك أنهم يجدون حريتهم الاجتماعية المفقودة فى شوارع مصر. 

لذا ليس من الغريب أن عدد الطائرات اليومية من القاهرة إلى بيروت يصل إلى ٦ رحلات، فى هذه المدينة الخلابة تستطيع أن تعرف كل شىء عن العالم العربى، شوارعها مليئة بالأخبار والحكايات، لدى اللبنانيين قدرة على العيش فى أى ظروف وتحت أى ضغط بنفس المستوى المعيشى المتقدم، هم لا يقصرون أبدا فى حق أنفسهم، يرتدون أكثر الملابس أناقة، يتذوقون أفضل أنواع الطعام، يضعون أفضل أنواع العطور، فى المساء وفى الشوارع العادية يرتدى الرجال البدل الأنيقة وترتدى النساء السواريهات، فى الصباح الباكر تشعر أن الشعب اللبنانى كله يرتدى الملابس الرياضية ويمارسون الجرى والمشى فى الشوارع، النساء تعرف جيدا قيمة جمالهن، لذا يرتدين الملابس المثيرة، لا يتحرش بهن أحد فنحن أمام مجتمع لا يعانى من عقد نفسية، المساجد والكنائس يحتضنان بعضهما البعض متجاوزين أحزان وآلام الحرب الأهلية.

يتقنون جيدا فن معاملة الآخرين، يمكن أن تدخل إلى محل لبنانى وتظل به ثلاث ساعات تجرب كل أنواع الملابس ولا تشترى شيئا لتجد ابتسامة فى وجه البائع قائلا تكرم عينك، ربما يكون متأففا من داخله، لكنه لا يريد أن يخسرك حتى لو كنت زبونا متوقعا بعد ١٠ سنوات.

فى لبنان يقولون إن اللبنانى ليس فقط جنسية بل مهنة يتقنها أبناء هذا الشعب، فى العمل لا يتحدثون بشكل سيئ عن بعضهم البعض، لا يتنازلون عن الأجر العادل وربما ما يزيد، لا يتنازلون عن رفاهيتهم الشخصية ومظهرهم الاجتماعى حتى لو كانت جيوبهم فارغة، ملتزمون بالمواعيد ولا يتأخرون ثانية واحدة، وينفذون تكليف الشغل مثل الكتاب المدرسى.

هى ليست جنة الله على الأرض لكن البشر هناك نجحوا فى جعلها أقرب إلى هذا، هم يتجاوزون كل شىء حتى يعيشوا، أثناء الحرب الأهلية كانوا يحملون السلاح صباحا وفى المساء يسهرون ويرقصون، فى بيروت وجدت أن الكهرباء تقطع يوميا ١٢ ساعة، وهناك بعض الشركات الخاصة التى وضعت مولدات فى كل حى سكنى ويبيعون منه إلى السكان بالأسعار العالمية، قال لى سائق التاكسى إن لديه منزلا فى الضيعة ولا يوجد به تكييفات لأن الجو هناك رائع ويدفع للمولدات ٧٠ دولارا شهريا ويدفع للحكومة ٣٠ دولارا للكهرباء المدعومة، أى أن نصف الكهرباء فى لبنان أصبحت تابعة للقطاع الخاص، القمامة فى كل شوارع لبنان، الأسعار أغلى من أوروبا، السياحة غائبة بنسبة كبيرة بسبب مقاطعة السعودية ودوّل الخليج لدعم لبنان عقابا لحسن نصرالله.

لبنان الآن تعيش على السياحة من اللبنانيين الذين يعيشون فى الخليج ويعودون إلى بيروت لفترات قصيرة كى يشموا الهواء، وهو مصطلح شعبى يستخدمه اللبنانيون المغتربون « نعود إلى بيروت من الإمارات أو السعودية كى نشم الهواء».

تعيش على السياحة من دول أخرى مثل مصر والجزائر وأوروبا.

صناعة الإعلام فى لبنان مصدر دخل لا يستهان به، فكل البرامج الكبرى التى تنتجها إم بى سى ودبى وأبوظبى والقنوات العربية يتم تنفيذها فى بيروت، وهذا خلق سوقا ضخمة يعمل فيها آلاف اللبنانيين، سوق تصل لرقم المليار دولار، حتى السوق الإعلانية العربية يتحكم فيها إمبراطور الإعلان اللبنانى أنطوان شويرى، الخليج يصرف ملايين الدولارات فى الإعلام اللبنانى لضمان الهيمنة والسيطرة، وإيران أيضا تصرف ملايين الدولارات على جزء من الإعلام اللبنانى لضمان السيطرة أيضا.

مؤخرا المشهد تغير وبدأت السعودية ودوّل الخليج فى تطبيق عقوبات اقتصادية على لبنان بسبب تصريحات وتوجهات حسن نصرالله، فالصراع السعودى الإيرانى أو السنى الشيعى يمتد من دانات المدافع فى اليمن وحتى قنابل الإرهاب فى العراق ويمر على أشلاء الضحايا فى سوريا، وفى لبنان حتى الآن يحمل طابعا اقتصاديا.

الإمارات قررت عدم تنفيذ أى برنامج ضخم على قنواتها فى أبوظبى ودبى خارج حدود الدولة، وكانت هذه البرامج تنفذ سابقا فى بيروت، وهذا أدى إلى رحيل شركات لبنانية كثيرة إلى دبى وأبوظبى بحثا عن البيزنس.

إم بى سى أجرت دراسة جدوى لنقل ستديوهاتها بالكامل إلى اليونان، وثبت عدم جدوى الموضوع، والجميع يعلم أن توجه الـ«إم بى سى» الآن هو الخروج من بيروت.

فى فندق فينسيا إنتركونتننتال شوهد الإعلامى الكبير عمرو أديب يجرى لقاءات فى سرية شديدة مع مخرجين وشركات فورمات لبنانية، المفاجأة أنه يبحث عن فورمات برنامج منوعات وليس توك شو سياسى، هو أحد مذيعى التوك شو السياسى القلائل الذى يتمتع بخفة دم ومواهب متعددة تجعل منه مذيع منوعات متفوق، خاصة أن بدايته فى التقديم كانت من خلال برنامج منوعات، لقد أدرك أديب اللعبة جيدا ويعلم أن الشهور القادمة لا مكان فيها لبرامج التوك شو السياسى التى استنفدت أغراضها، ولم يعد لها مصداقية كبيرة، وانخفضت نسب المشاهدة عليها، ولم تعد تجلب الإعلانات.

لقد كشفت الصدفة فى مطار القاهرة أن السلطات منعت مصممة أزياء لبنانية من دخول مصر لأنها صممت 10 «بدل» لمحمد مرسى بناء على تكليف من إعلامى شهير كان قريبا من الرئاسة فى عهد الإخوان كما روى لى الكاتب الصحفى عادل حمودة.

فى لبنان تستطيع أن ترى خريطة الإعلام الجديدة فى مصر، وهى قليل من السياسة كثير من الترفيه والرياضة والنجوم، الإعلام الجديد فى مصر سيقترب أكثر من النموذج السعودى فالسياسة فى السعودية لا تتخطى ٧ فى المائة من محتوى القنوات، والبقية ترفيه ورياضة.

وهو نفسه النموذج الروسى الذى ابتكره بوتين، حينما استلم الحكم قام بتغيير سطح الملكية فى كل القنوات، وتحولت من السياسة والاقتصاد إلى الترفيه والرياضة.

مصر تستعد الآن لضخ مليار دولار فى الإعلام من رجال أعمال وجهات فى الدولة، الأموال سيتم تخصيصها لضمان حصول المصريين على حقهم الطبيعى فى متابعة مباريات الكرة على قنواتهم الوطنية، فقد كان احتكار بى أن سبورت القطرية لمباريات مصر فى بطولات إفريقيا إذلالا للمصريين، هل تتذكرون المشهد جيدا حينما حجبت قنوات الجزيرة الرياضية مباريات مصر فى نهائيات أمم إفريقيا عام ٢٠١٠ فقد رفض التليفزيون المصرى دفع حقوق البث للجزيرة بعدما تعسفت قطر فى طلباتها وكادت مصر أن تحترق بسبب حجب المباريات، ثم قررت فجأة قطر بث المباريات على القنوات المفتوحة ببيان مذل ومهين للمصريين وهو أن أمير قطر قرر إذاعة المباريات على المفتوح مكرمة منه للمصريين.

الآن وسائل الإعلام المصرية تعمل بقوة على هذا رغم أن المهمة صعبة بسبب احتكار قطر لعدة بطولات حتى عام ٢٠٢٢. المشهد الآن أصبح حربا علنية وصريحة بين الإعلام المصرى كله فى مواجهة الإعلام القطرى، قنوات بى أن تستعد لإطلاق باقة ترفيهية ويعملون على شراء نيجاتيف أفلام السينما المصرية ويشترون الدراما المصرية وسينتجون برامج ترفيهية، فقد أيقنت قطر أن قنوات الجزيرة الإخبارية ليس لها أى مصداقية فى الشارع ولم تعد مؤثرة، لذا تريد إعادة صياغة المشهد الرياضى من خلال قنوات الرياضة والأفلام وبرامج المنوعات، وفى نفس الوقت تسعى للخروج من على النايل سات حتى يذهب كل جمهور الكرة إلى القمر القطرى سهيل سات، وهذه قضية أمن قومى وليست بسيطة أو تمر بسلام.

الإعلام المصرى يعيد صياغة نفسه داخل المشهد لكن هذه المرة هناك توجه واضح للحفاظ على الأمن القومى ومواجهة المد القطرى سواء من تحالف قنوات النهار وسى بى سى أو من الكيان الجديد دى إم سى وهى شبكة قنوات وطنية مصرية جديدة تشمل قنوات رياضة ودراما وعامة، كما تتداخل القنوات المصرية الآن فى تحالفات ستتضح معالمها خلال الفترة القادمة لأنه لا مكان بعد الآن للكيانات الصغيرة.