محمد مسعود يكتب: تشويه «سمعة مصر» فى دراما «صادق الصباح»

مقالات الرأي




جاء شهر رمضان لنفاجأ بما صنعه الصباح الذى يبدو أنه أصر على إظهار الواقع الشعبى المصرى بكل هذا الدنو والانحطاط

مسلسلان فى الموسم نفسه وبنفس الممثلين الثانويين والكومبارس وكأنها «طلعة» أفلام مقاولات من تلك التى أنتجها لبنان فى السبعينيات والثمانينيات ما وضعه فى مرمى الشك وعلى ذمة الظنون

هذا هو الفارق بين المنتج المصرى الذى يقدم أعمالا تليق باسم ومكانة مصر والمنتج الأجنبى الذى قدم لنا مسلسلين أقل قيمة من مجرد ذكرهما ولم يحققا سوى بقعتين صغيرتين فى ذيل ثوب الدراما المصرية

عندما أخبرنى أحد الأصدقاء، أن المنتج اللبنانى الكبير صادق الصباح، دشن حارة مصرية كاملة، داخل أحد استوديوهات بيروت، تحسبا لتصوير أعمال مصرية هناك، تفاءلت، وسعدت لفكرة التنوع، وفتح بيوت العاملين فى الوسط الدرامى، خاصة أن عددا لا بأس به منهم يجلسون فى منازلهم بلا عمل.

بعدها جاءت أخبار مفادها، تعاقد المنتج الكبير مع النجمة غادة عبدالرازق، للعب بطولة مسلسل «لحم غزال»، وبعدها خبر آخر مفاده الجمع بين عمرو سعد ومصطفى شعبان فى عمل واحد أطلقوا عليه «ملوك الجدعنة»، والحقيقة أنها كانت أخبارا مبشرة، تعطى بارقة أمل بشىء من المنافسة فى سوق الدراما، ولهذا ظننت أن صادق الصباح، سيقدم وجبة درامية دسمة، يقول من خلالها «أنا صادق الصباح.. وسأقدم لكم الدراما المصرية والأعمال الراقية من قلب بيروت» ومن تلك الشركة العريقة التى أحمل مسئوليتها منذ بداية الثمانينيات، أى منذ نحو أربعين سنة كاملة، شرب فيها مهنة الإنتاج وأكلها وهضمها.

وجاء شهر رمضان، لنفاجأ بما صنعه صادق الصباح، الذى يبدو أنه أصر على إظهار الواقع الشعبى المصرى بكل هذا الدنو والانحطاط والفجور، ويبدو إصراره فى إنتاج عملين دفعة واحدة، فإذا كان صادق الصباح أنتج عملا واحدا من هذه النوعية، كان من الممكن أن يمر الأمر مرور الكرام، ودون أن يلاحظه أحد، لكن مسلسلين فى الموسم نفسه، وبنفس الممثلين الثانويين والكومبارس، وكأنها «طلعة» أفلام مقاولات من تلك التى أنتجتها لبنان فى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وضعه فى مرمى الشائعات وعلى ذمة الظنون.

1- آخر خمس سنوات

فى السنوات الخمس الأخيرة، لم يمتنع صادق الصباح عن أنتاج الأعمال التى تصنف على إنها مصرية، مخرج ومؤلف مصريان، وممثلون مصريون، ففى 2017 قدم مسلسل «طاقة القدر» بطولة حمادة هلال، و«الحصان الأسود» لأحمد السقا، علاوة على إنتاجه «مسرح مصر».

وفى العام التالى 2018 قدم مسلسلين أيضا «قانون عمر» لحمادة هلال، و«سك على إخواتك» لعلى ربيع»، فيما عاد لتعاونه مع أحمد السقا فى 2019 بمسلسل «ولد الغلابة»، واستمر فى تعاونه مع على ربيع فى مسلسل «فكرة بمليون جنيه»، واكتفى فى 2020 بإنتاج مسلسل «سكر زيادة» للنجمتين الكبيرتين نادية الجندى ونبيلة عبيد وشاركتهما البطولة الفنانة الكبيرة سميحة أيوب.

إنتاج صادق الصباح فى الأربع سنوات الأخيرة لم يتعد حدود المنافسة من بعيد، جميع أعماله حققت نجاحا قليلا، لا يتناسب مع أسماء وضعت فى خانات بطولتها، وها هو يعود من جديد، بأعماله لكنها هذه المرة أعمال هدامة، تسيئ وتشوه سمعة المجتمع المصرى عن بكرة أبيه.

2- الحارة الملعونة

هل أراد صادق الصباح إنتاج مسلسلات شعبية على طريقة محمد رمضان، وتعويض المساحة التى تركها الأخير، بعدما تعرض لهجوم شديد على أعماله التى صُنف بعضها بالهابط، فعاد إلى خط سيره الطبيعي، وتعاون فى العامين الأخيرين مع اثنين من كبار المؤلفين فى مصر، عبدالرحيم كمال فى رمضان الفائت، وناصر عبدالرحمن فى رمضان الحالى، وخرج مشهد السيول فى مسلسله «موسى» بصورة أفضل من التى ظهر عليها مسلسلان كاملان لصادق الصباح.

هل غاية إنتاج الأعمال الشعبية المصرية بسبب بناء تلك الحارة الملعونة فى بيروت، وبالتالى كان عليه أن يصنع فيها دراما المقاولات ويصدرها للعالم العربى على أن ما يحدث داخلها من انحطاط وفجور هو ما يحدث فعليا فى الشوارع الشعبية والحارات فى مصر. يا سيد صادق، حارات مصر الشعبية خرج منها كواكب الفن المصري، وعاش فيها من أصبحوا فيما بعد فخرا لمجتمعهم من أطباء ومهندسين وحرفيين وعمال، الحارة الشعبية المصرية ليست ما قدمه الممثل خالد كمال فى دور «سيد جلاله» وبدا فى صورة مقززة من حيث المكياج والملابس والشعر واللغة.

يا سيد صادق الصباح، كاتب هذه السطور ولد فى حى شعبى عريق، هو حى باب الشعرية وأفخر، أننى من جيران موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، وعبد المنعم مدبولي، لم أر طوال سنوات عمرى الأربعين التى عملتها أنت فى الإنتاج مثل هذه الكاراكترات المقززة التى قدمتها فى أعمالك، لم أر فى مسلسلات أسامة أنور عكاشة أو محمد جلال عبدالقوى أو يسرى الجندى أو صفاء عامر أو مجدى صابر ومحسن الجلاد مثل هذه الحارة التى تنسبها إلى مصر، فهى حتما ليست مصرية، هى حارة شعبية افتراضية على الأراضى اللبنانية ولا تمت لنا بصلة من قريب أو من بعيد.

3- دراما مقاولات مسمومة

هل قرأ المنتج الكبير صادق الصباح النصوص التى أنتجها قبل أن يدفع فيها ملايين الجنيهات لتنفيذها وتصدير هذا الانحطاط البشع للجميع فى أقذر صور ومعانى الدراما المصرية على مر تاريخها، هل قرأ جميع الشخصيات وكأنها تتحدث بلسان واحد وأسلوب واحد وسفالة واحدة؟.. أليس من بين جميع الشخصيات فى العملين رجل رشيد؟.. أليس فى هذه الشركة المنتجة رجل رشيد؟.. يقول إن كل شخصية من المفترض أن تتحدث بلسان حالها وبيئتها وتاريخها وأبعادها النفسية والثقافية والنفسية.

هل المنتج الكبير لا يعلم أسس الدراما؟.. أشك فى ذلك تمام الشك، فصادق الصباح صاحب اسم كبير فى عالم الإنتاج يجعله فى خانة المنتج الكبير والمرموق، لكن لماذا قدم هذا العبث، وتلك الدراما المسمومة؟ هل انتقام من مصر التى أغلقت الباب أمام التمويل الخارجى فى الدراما المصرية التى تشكل الوعى وتمثل ركنًا أساسيًا من قوة مصر الناعمة، عذرا يا سيدى العزيز فأنت من وضعت نفسك على ذمة الظنون بأعمال لم تشبه أعمالك ولا تاريخك ولا سمعتك.

4- ملوك الجدعنة

تصورت منذ بداية المسلسل أن الثنائى عمرو سعد ومصطفى شعبان سيكونان صورة قريبة من تلك التى قدمها الأستاذان عادل إمام وسعيد صالح من خلال فيلم «سلام يا صاحبي»، شابان مصريان أشقياء بعض الشىء لكنهما يقفان أمام الظلم، لكن لم أكن أظن أن كلا النجمين الكبيرين سيوافق أن يصور الحارة الشعبية لبلده فيها شخصية مثل شخصية «بسنت» التى قدمتها فرح يوسف، التى تمارس الجنس فى محل المانيفاتورة بالحارة مع الممثل وليد فواز الذى ظهر بذقن مقززة ولعب دور «عنتر»، الذى وجد ممثلة تسير تصور الكاميرا مؤخرتها فيقول «مين يركب»، وبسنت تقول «أنا بنت بنوت فيقول لها هقولك كلمة فى ركبك».

ومشهد آخر لشاب يقوم فى فيديو وكأنه تعليمى بلف سيجارة الحشيش، ثم يشد الهيروين، ثم يشرب الويسكى ليضبط الدوز، وآخر يقول (الواد جرب المزز ممكن أخليه يجربك أنت وصاحبك وراء مصنع الكراسى).

لماذا وافق عمرو سعد ومصطفى شعبان على ذلك، لماذا وافقا على لغة الحوار التى لا ترتقى لمسلسل تليفزيونى بينما تكتب على التكاتك ليس الإثم إن ليس من الجدعنة حمل السلاح وترويع الآخرين، ليظهرا وكأنهما ملوك البلطجة وليست الجدعنة.

5- لحم غزال ميت

أما ما جاء فى مسلسل «لحم غزال» فحدث ولا حرج يكفى أن تعرف أن شخصية «غزال» بطلة المسلسل، قاتلة وشمامة، ومُغتصبة وخائنة، أراد المسلسل أن يقدم هذا النموذج لامرأة مصرية تبحث عن ابنها، كل ذلك لأنها تعرضت للظلم، ناهيك عن الشخصيات المريضة التى قدمها العمل من شخصية عمرو عبد الجليل الذى شارك فى المسلسلين على أنهما «باكيدج»، لشخصية «شوقى» التى قدمها الممثل ياسر الطوبجى زوج مى سليم «شوق» التى يصورها عارية أثناء الاستحمام ويساومها على الطلاق.

كل هذا التدنى والانحطاط فى 7 حلقات فقط شاهدتها من المسلسلين، وكلما زادت الأحداث سخونة زادت جرعة الانحطاط.

6- بقعة فى ذيل الثوب

قدمت مصر خلال موسم دراما رمضان 2021 أعمالاً متميزة حققت أعلى نسب المشاهدة، والنجاح الجماهيرى والنقدى وعلى رأسها مسلسل «الاختيار2» لكريم عبدالعزيز وأحمد مكى، و«الطريق إلى القاهرة كابول» لطارق لطفى وفتحى عبدالوهاب وخالد الصاوى ونبيل الحلفاوى وحنان مطاوع، وقدمت «هجمة مرتدة» و«بين السما والأرض» و«موسى» و«نسل الأغراب» و«لعبة نيوتن» وغيرها من الأعمال التى أنصفتها المشاهدة، وربما هذا هو الفارق بين المنتج المصرى الذى يقدم أعمالا تليق باسم ومكانة مصر، والمنتج الأجنبى الذى قدم لنا مسلسلين أقل قيمة من مجرد ذكرهما، ولم يحققا سوى بقعتين صغيرتين فى ذيل ثوب الدراما المصرية هذا العام.