محمد مسعود يكتب: غير المكتوب عليهم «٣».. محمد خان الحريف «١-٢»

مقالات الرأي




صحيح أنه كان يملك محلا لبيع ملابس الجينز بإنجلترا، لكنه كان مجرد عمل، يدر عليه أرباحا، حتى يعود إلى مصر بالمال الكافى لإخراج تجربته السينمائية الأولى وتدشين اسمه كمخرج، وبينما كان محمد خان يصفى أعماله فى إنجلترا، كانت المونتيرة نادية شكرى تتحدث إلى الفنان الكبير نور الشريف عنه.

مخرج شاب، عاد بتحويشة عمره ليقدم عمله الأول «ضربة شمس»، طلب منها نور أن تعرفه عليه، وأن تأتيه بسيناريو الفيلم، فقدمت له المعالجة الدرامية التى نالت رضاه، وتعرف على خان الذى نوى الإنتاج وكان مستعدا له، لكن نور قرر أن يتولى هو مسئولية إنتاج الفيلم حتى لا يقال أن محمد خان «بيخرج بفلوسه».

وقدم خان الفيلم بالفعل، لكنها لم تكن السينما التى يحبها، سينما تتحدث عن الشخصية، الإنسان بمشكلاته وأحلامه وسماته، ووجد ضالته، وأمسك بأول الطريق الصحيح عندما تعرف على السيناريست الكبير الأستاذ بشير الديك، وكان الفنان نور الشريف سببا فى تعارفهما كما قال لى بشير الديك (نور الشريف هو من عرفنى بمحمد خان، قال لى بالحرف الواحد أنه مخرج حلو قوى، وبيصور فى الشارع حلو جدا، وقتها كان القليل من المخرجين فقط هم من يصورون بالشارع بمثل هذه الكثافة، جميعهم كان يعتمد على استوديوهات التصوير، دفعنى كلام نور للتعرف عليه، وبعدها تطورت الأمور بيننا إلى علاقة صداقة بعد أن التقينا على ناصية الحلم، كانت لديه أحلام، وكانت لدى أحلام مثيلة، ومن هذا المنطلق، جمعتنا الصداقة).

1- موعد على العشاء

قال لى بشير الديك إن والد محمد خان كما هو معروف باكستانى، وكان رئيسا للجالية الباكستانية فى مصر، وكانت والدته إيطالية ولدت فى مصر، ولأنه عاش فى أوروبا كان أوروبى التعامل وكان عملهما السينمائى الأول بعنوان «الرغبة» المأخوذ عن رواية فيتزجيرالد، وتقاسمت بطولته مديحة كامل ونور الشريف، لحساب المنتج اللبنانى الشهير طنوس فرنجيه، وحرص بشير الديك على حضور التصوير والمونتاج كاملا كعادته فى معظم أفلامه، وبعد تصوير فيلم «الرغبة» فوجئ بشير بصديقه المخرج الشاب يحضر إليه خبرا من مجلة لبنانية لا يتذكر إن كانت «الشبكة أو الموعد».

(كان الخبر الذى أدهش خان مفاده أن امرأة لبنانية دعت زوجها على العشاء، ودست له السم فى الأكل، طلب منى وقتها أن نقدم فيلما بهذا الشكل، لم تكن هناك قصة ولا شخصيات ولا حيثيات أدت إلى ذلك، لكن فى النهاية فعلت كل ذلك وانتهيت من كتابة السيناريو، وذهبنا به إلى المنتج اللبنانى طنوس فرنجيه، فوافق على إنتاجه، ورشحنا السندريللا سعاد حسنى لتلعب بطولة الفيلم أمام حسين فهمى وأحمد زكى، وبالفعل ذهبنا إلى سعاد حسنى أنا وخان، وما إن قرأت السيناريو سألناها عن رأيها فقالت «لذيذ»، أنا هعمله، وبعد توقيع سعاد حسنى، دبت المخاوف فى قلب منتج الفيلم، خاصة أن محمد خان عصبى، وسعاد كثيرة الأسئلة عن كافة التفاصيل، فلجأ لى وقال حاول أن تهدئ بينهما أنا خايف خان وسعاد يتخانقوا ويبوظوا الفيلم).

2- خان هيبوظ الدنيا

كتب بشير الديك فى المشهد الأول من الفيلم لقطة close up ليد سعاد حسنى وأحمد زكى يبحثان عن الفاكهة فى قفص أو صندوق، لكن مع تنفيذ اللقطة قرر محمد خان أن يصورها عن طريق شاريوه، فذهبت سعاد حسنى إلى بشير الديك قائلة اللقطة المفروض تبقى close up زى ما أنت كاتب وخان هيصورها شاريوه.. خان هيبوظ الدنيا يا بشير، فقلت لها ليس بإمكاننا أن نملى عليه طريقة تصوير اللقطة فهو المخرج وعليه أن يصورها بإحساسه وطريقته، والأهم أن يصل الإحساس للجمهور بغض النظر عن طريقه تصويره، ومرت أيام التصوير بسلام وكانت سعاد رائعة، إلى أن وصلنا إلى مشهد وفاة «شكري» أو أحمد زكى فى السيناريو، وكان عليها أن تتعرف على جثته فى ثلاجة المستشفى، المشهد تم تصويره بمستشفى السلام، وكانت سعاد حضرت إلى المستشفى متوترة ولم تنجح فى الدخول إلى المود، مما أدى لتأخير تصوير المشهد، وهنا غضب المسئولون بالمستشفى لأن هناك جثمانًا ينتظر وضعه فى الثلاجة المعطلة من أجل التصوير، قالت لى سعاد، أنت شايف يا بشير لما أشوف الجثة أعمل المشهد إزاى، قلت لها يا إما «عالى» صراخ وعديد، وإما «واطي» تعبير على الوجه ودمعة من العين، لكنها قررت أن تقدمه من العالى وكان من أفضل مشاهد الفيلم، وقرر خان تصويره بـ٣ كاميرات من زوايا مختلفة حتى لا يعاد تصويره.

3- طائر على الطريق

أثناء تصوير فيلم «موعد على العشاء» بمدينة الإسكندرية، كان الكاتب الكبير بشير الديك يقرأ رواية أجنبية إفريقية عن الطريق الممتد، وكيف يكون انعكاسا للحياة، فجاءته الفكرة، خاصة أنه كان يستهويه حياة شباب السائقين الذين ينقلون الركاب عبر المحافظات عن طريق السيارات البيجو ٧ راكب، وبدأت الفكرة تختمر فى رأسه إلى أن ولدت على الورق فى سيناريو بديع حمل اسم «طائر على الطريق» ورشح بشير الديك ومحمد خان الفنان أحمد زكى ليقدم بطولته الأولى على شاشة السينما، وتشاركه البطولة فردوس عبدالحميد وآثار الحكيم، لكن الأسماء الثلاثة ليس بوسعها تحمل أفيش فيلم، وهنا قرر بشير الديك استغلال علاقته بالفنان الكبير فريد شوقى فقد عمل معه من قبل والملك يحبه.

(ذهبت بالسيناريو إلى الملك فريد شوقى، وعرضته عليه، وبعد أيام استدعانى وكان غاضبا منى بشدة، وقال لى أنت باعت لى دور تانى يا بشير، على آخر الزمن أنا هعمل دور تانى أنت مجنون ولا إيه، شعرت بحرج لكن ربنا ألهمنى الإجابة وامتصاص غضبه فقلت له: «حضرتك الملك تعمل دور أول تعمل دور تانى أنت الملك، ثم إن العيال الجديدة هتعمل البطولات إزاى إذا لم يحتضنهم فنان كبير ويقدمهم بنفسه إلى الجمهور لتتواصل الأجيال، فإذا لم يفعل الكبار ذلك فمن سيقدمهم، ثم إنهم موهوبون وخريجو معاهد فنية ولابد لهم من فرصة»، ما إن قلت ذلك حتى شعرت بوجهه وقد زال عنه الغضب وفكر فيما قلت وقال كلمته الشهيرة: «تمام.. تمام.. عرفت تضحك عليا.. أنا هعمل الفيلم علشان أقدمهم»، فجريت على زميلتنا منتجة الفيلم وهى المخرجة نادية حمزة وقلت لها وقعى معه فورا قبل أن يفكر مرة أخرى وقد يتراجع، وبالفعل وقعت معه عقد البطولة).

كان دور «فارس» الذى قدمه أحمد زكى عبارة عن سائق سيارة بيجو ينقل المسافرين عبر المدن والمحافظات، وهنا كان لابد أن يكون بطل الفيلم قائدا ماهرا للسيارات، وفى ذلك الوقت كان الفنان الكبير الراحل أحمد زكى يمتلك سيارة فيات ١٢٨ بيضاء اللون لكنه لم يكن قائدا ماهرا، ففى إحدى المرات كان المؤلف الكبير والمخرج يركبان معه السيارة، وعند صعوده مطلع كوبرى أكتوبر، تعطل الطريق، ولم يستطع الصعود بها فكانت السيارة «تبطل» منه، فما كان منه إلا أن شد فرامل اليد، وبعد إلحاح ممن يقودون السيارات خلفه ليتحرك نزل من السيارة قائلا (مش عارف أطلعها اللى يعرف ييجى يطلعها!).

روى لى بشير الديك بعد ذلك أن أحمد زكى بعد هذا الموقف قرر أن يتعلم أصول القيادة، فكان يخرج فى رحلات ليلية ويذهب إلى موقف البيجو ويطلب عربية مخصوص ليسافر بها، تعلم القيادة من السائقين على الطرق السريعة، كان يتحدث معهم ويعرف طريقتهم فى القيادة ويستلهم شخصياتهم فى الحياة إلى أن تحول بالفعل إلى قائد ماهر.

4- عفوا.. هذا شرطى الوحيد

عندما أرسل المخرج الكبير محمد خان سياريو فيلم «طائر على الطريق» إلى الفنانة الكبيرة فردوس عبد الحميد، لتقدم من خلاله شخصية «فوزية» زوجة «جاد» فريد شوقى، التى تقع فى غرام «فارس» أحمد زكى، وجدت أن سيناريو الفيلم يضم قبلة من المفترض أن تكون بين فوزية وفارس.

وافقت الفنانة الكبيرة فردوس عبدالحميد على تقديم الشخصية، وجميع مشاهد السيناريو، غير أنها رفضت تمثيل القبلة وطالبت بحذفها من المشهد، وهنا وافق المخرج محمد خان، كان وقتها يريد أن تلعب فردوس بطولة العمل، وقرر أن يقنعها أثناء التصوير الذى تم فى مدينة الإسماعيلية، وعندما حان موعد تصوير المشهد شرحه محمد خان وبه القبلة، لكن فردوس عبدالحميد رفضت، وأصرت على رفضها، ما دفع المخرج لتعديل المشهد أن يتم تصوير القبلة بزاوية توحى للجمهور أنه يقبلها بالفعل بينما هو لا يقبلها وهو ما حدث وكان هذا المشهد هو «ماستر سين الفيلم» على موسيقى تصويرية رائعة للموسيقار العظيم الراحل كمال بكير.

كان من المتوقع أن يمر المشهد الذى يعترف فيه فارس بحبه لفوزية، وتعترف بدورها بحبها له، لكن لم تتوقع فردوس عبدالحميد أن يدخل أحمد زكى فى حالة من الحزن بسبب إصرارها على عدم تنفيذ مشهد القبلة، قال لها أنت رافضة تمثلى المشهد علشانى، فأقسمت له أن المسألة تخضع لمبدأها وأنه خارج الحسبة تماما وقالت له إذا شاهدتنى فى أى عمل أقوم بمثل ذلك مع ممثل آخر فعليك وقتها أن تغضب منى، لكننى لا أمثل مثل هذه النوعية.

كانت فردوس حريصة على مشاعر أحمد زكى، خاصة أنه كان زميلها بالمعهد، كما روى لها تفاصيل معاناته ووحدته.

5- فى جزر المالديف

فى عام ١٩٨٤ قدم المخرج الكبير محمد خان والكاتب الكبير بشير الديك فيلما يعتبره البعض مجهولا جاء بعناون «يوسف وزينب»، لم أتذكر أننى شاهدته وغيرى الكثيرون، فسألت الكاتب الكبير بشير الديك عن حكاية يوسف وزينب ( ده فيلم عملناه فى جزر المالديف.. آه بجد اتصور فى جزر المالديف، دعانا أحد المنتجين من الخارج لزيارتها وتقديم فيلم فيها، فسافرت أنا وخان وشاهدنا الطبيعة الساحرة وكتبت قصة الفيلم وتم تصويره هناك ولم يعرض فى مصر وشارك فى بطولته فاروق الفيشاوى وليلى علوى، وتدور أحداثه بداية من هجر حبيبة يوسف له والسفر إلى أمريكا، وعلى ذلك سافر يوسف للعمل فى جزر المالديف لتدريس اللغة العربية والدين الإسلامى ويلتقى بفتاة هندية مسلمة اسمها هند وتبدأ بينهما قصة حب).

6- زوجة رجل مهم

كانت شخصية الضابط «هشام» التى قدمها الفنان الكبير أحمد زكى، من أصعب الشخصيات، ما دفعه لطلب عقد جلسة مع الكاتب الكبير رؤوف توفيق بعيدا عن مخرج الفيلم محمد خان، أحمد زكى سأل رؤوف توفيق عن الشخصية فى مرحلة الطفولة، ليعلم خلفيته الدرامية، فاكتشف أن ثمة أشياء نفعلها فى مرحلة الصبى شكلت بداخله عقدة السُلطة والإحساس بالذات والأهمية، عندما كان طفلا كان أهله يشترون له بدلة ضابط، وعندما يحاولون إخافته يقولون له «هنجيب لك الضابط»، لذا كان مزهوا ببدلته منذ أن كان طالبا فى كلية الشرطة، كان يخرج فى الإجازات مزهوا بنفسه وبزيه، وبعد خروجه من السُلطة أصبح مثل السمك الذى خرج من الماء.

فى لقاء تليفزيونى نادر قال أحمد زكى للمذيعة نهال كمال إنه حمل الشخصية على جهازه العصبى، وعاشها تماما، وأثناء التصوير شعر بآلام فى القولون وانتفاخ البطن، فذهب إلى صديقه الدكتور «المنزلاوى» أشهر طبيب مناظير فى مصر فى ذلك الوقت عام ١٩٨٨، وبعد الكشف سأله الطبيب هل يعانى من أى مضايقات أو توتر أو حزن، فنفى له أحمد زكى، فأعطاه الطبيب دواء لم يحرز أى تقدم، فعاد إليه بعد فترة، ولأن الطبيب بحسب وصف أحمد زكى، كان فنانا، فإنه سأله عما يقدمه فى هذا الوقت فحكى له أحمد تفاصيل وأبعاد الشخصية، فضحك الطبيب قائلا: «كده القولون كان لازم ينفجر مش بس يتعب».

فى هذا الفيلم تقمص أحمد زكى الشخصية كما ينبغى لدرجة أنه فى مشهد ضرب البواب بالقلم بعد أن أشاح له الأخير بيده صفعه صفعة قوية آذته، وبعد انتهاء التصوير اعتذر له آسفا عن انفعاله وبات ضميره يؤنبه كلما شاهد الممثل الذى قدم دور البواب.

سألت صديقى الماكيير الشهير وعميد فن الماكياج فى العالم العربى محمد عشوب عن الأزمة التى حدثت بين محمد خان وأحمد زكى أثناء تصوير «زوجة رجل مهم» فقال لى: (بدأنا تصوير الفيلم فى مدينة المنيا، وكان التصوير هادئا ومنجزا، لكن بعد أن عدنا للقاهرة اشتعلت خلافات كثيرة بين أحمد زكى ومحمد خان، كانا أشبه بالديوك فى حلبة مصارعة، وكلما تشاجرا يغضب محمد خان ويعطى التعليمات لمساعده الأول لينقلها بدوره إلى أحمد زكى فيما يجلس هو على المونيتور، وفى إحدى المرات كنا نصور فى شقة الأستاذ سمير خفاجى فى ميدان المساحة بالدقى أمام فندق سفير، وكنا نصور مشاهد منزل أحمد زكى، فاشتعلت الخلافات مرة أخرى، وفى إحدى الغرف تشاجرا وكان صوتهما عاليا حاولت أن أهدئ أحمد زكى، فخرج محمد خان، لكنه توقف فجأة وكأنه نسى شيئا يريد أن يقوله، فقال لأحمد زكى «اسمع يا أستاذ أنا كلامى يتنفذ أنا اللى رشحتك للفيلم وأنا اللى جيبتك الفيلم، وهنا جن جنون أحمد زكى وظل يصرخ هو أنت اللى بتشغلنى يا محمد يا خان.. أنت اللى بتشغلنى، وتوقف تصوير الفيلم واصطحبت أحمد زكى بسيارتى كى أوصله وأهدئه وظل يصرخ فى السيارة والناس بتتفرج عليا، محمد خان هو اللى بيشغلنى.. هو اللى بيأكلنى عيش»، وقرر عدم استكمال الفيلم، وقتها عقد منتج الفيلم حسين القلا اجتماعا بينهما لتصفية الأجواء، ووضع أحمد زكى شرطا مفاده أن يعتذر له محمد خان، وهو ما حدث بالفعل، وعادا إلى التصوير لكن ما كان بالقلب ظل بالقلب.. والمدهش أن خان يتحدث عن أحمد زكى ويقول أفضل ممثل لكن من ورائه.. وأحمد يقول إن خان أفضل مخرج، لكن من ورائه أيضا).

الأسبوع المقبل
أسرار وكواليس أفلام «خرج ولم يعد والحريف، وأيام السادات».